المشاركات

حارس الذاكرة الثقافية للرباط: قراءة في مسار وشهادات الدكتور مصطفى الجوهري

 في لقاءه مع القناة ميدي 1 تفي تحدث الأستاذ مصطفى الجوهري على الثقافة المغربية والرباطية في حلقة مليئة بالتجارب العلمية والتاريخ الأدبي المساهم في نهضة الفكر المغربي.

تُعد الثقافة المغربية، والرباطية على وجه الخصوص، فضاءً غنياً يجمع بين الأصالة والتجدد المستمر. وفي هذا السياق، يستعرض الباحث والأكاديمي الدكتور مصطفى الجوهري ملامح تجربته البحثية والجمعوية في توثيق التاريخ الثقافي والاجتماعي والفني 
للعاصمة المغربية.



 1. البدايات والانخراط في العمل التطوعي والأكاديمي

لم يكن اهتمام الدكتور مصطفى الجوهري بالتوثيق الثقافي وليد الصدفة، بل تبلور عبر مسارين متوازيين:

- التحصيل العلمي والأكاديمي: تأثر في مراحله الدراسية الثانوية والجامعية بنخبة من الأساتذة والشيوخ الذين غرسوا فيه حب البحث في التراث المغربي، وهو ما ترجمه لاحقاً في أبحاثه الجامعية ودكتوراه الدولة التي ركزت على أعلام الرباط، وفي مقدمتهم العلامة عبد الله الجراري.

- العمل المدني والجمعوي: انخرط منذ طفولته بمدارس محمد الخامس في العمل التطوعي، فأسس جمعية خاصة والتحق مبكراً بجمعية الأوراش المغربية، قبل أن ينضم إلى "النادي الجراري" و"جمعية رباط الفتح" تكريساً لثقافة التطوع المدني.


 2. الخصوصية الثقافية والعلمية لمدينة الرباط

تتميز الرباط بهوية ثقافية مستقلة ومشعة جعلتها تحظى بألقاب متعددة؛ فهي عاصمة الثقافة المغربية والإفريقية، ومدينة الأنوار، والمدينة الخضراء، وعاصمة عالمية للكتاب. وتتجلى مكانتها التاريخية في النقاط التالية:

- الاستقلالية العلمية: على عكس مدن كانت تابعة علمياً لجامعة القرويين بفاس، نجح علماء الرباط في تشكيل مدرسة علمية مستقلة تنافس علماء فاس.

- أعلام بارزون: أنجبت المدينة قامات علمية موسوعية ذاع صيتها شرقاً وغرباً، مثل العلامة إبراهيم أبو إسحاق التادلي، ومحدث العصر السيد المدني بالحسني، قبل أن تحمل الرباط مشعل الثقافة الأكاديمية الحديثة بعد الاستقلال عبر تأسيس الجامعة.


 3. دور المكتبات، المجالس العلمية، والأندية الأدبية

-شكّلت البنية التحتية الثقافية في الرباط رافداً أساسياً لنشر المعرفة والكتاب:

 المكتبات والمطابع العريقة: لعبت الخزانات الخاصة والعامة دوراً محورياً، وتتصدرها "مكتبة الطالب" لصاحبها الحاج عبد القادر المكناسي، والتي لم تكن مجرد دار لنشر وتوزيع الكتب، بل نادياً ثقافياً يلتقي فيه صفوة العلماء، إلى جانب "مكتبة الفقيه التطواني". وقد ساهم انتشار المكتبات في كل معهد وكلية في تتويج الرباط عاصمة عالمية للكتاب عام 2026.

- المجالس العلمية والسلطانية: توزعت حلقات العلم في مساجد الرباط، وتكاملت مع المجالس السلطانية التي رعاها ملوك الدولة العلوية منذ عهد المولى سليمان والحسن الأول، وصولاً إلى الدروس الحسنية في عهد الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس.

- المنتديات الأدبية والفنية: عرفت المدينة حراكاً عبر أندية أسسها أدباء ومفكرون، أبرزها "النادي الأدبي الجراري" الذي تأسس عام 1930، ونادي محمد عزيز الحبابي، ونادي مولاي علي الصقلي. كما برزت أندية موسيقية انطلقت نواتها الأولى من المقهى الموري بحديقة الأوداية قبل أن تنتظم في فضاءات مثل "دار الفنون" بالمدينة العتيقة.


 4. مسار المسرح والفنون في الرباط

إلى جانب فن المعمار والفنون التشكيلية والموسيقى، كان للمسرح في الرباط تاريخ حافل بالتطور:

- الجذور والانطلاقة: سبق المسرح الحديث أشكال تقليدية مرتبطة بـ "الحلقة"، ومسرح "سيدي الكتفي" الخاص بالحرفيين الرباطيين الذي ظهر في عهد السلطان المولى يوسف.

- من الرياضات إلى الخشبات الكبرى: انطلق المسرح الحديث في عشرينيات القرن الماضي بمبادرات فردية وجمعوية، حيث كانت عروضه تُقام داخل الفضاءات الواسعة للبيوت التقليدية (الرياضات) قبل خروجها للعموم، وبرزت فيها أسماء مثل عبد الله الجراري، واليزيدي، ومحمد الدغمي.

- الاحتراف والمؤسسات: تطور النشاط المسرحي لاحقاً عبر المسرح الإذاعي، ودعم قطاع الشبيبة والرياضة، وتأسيس مسرح محمد الخامس وفرقة المعمورة، وصولاً إلى الصرح الثقافي الكبير المتمثل في المسرح الملكي بالرباط.



 5. شهادات وفاء في حق شخصيات خالدة

يختتم الدكتور مصطفى الجوهري حديثه باستحضار ذكرياته ومواقفه مع ثلاث شخصيات طبعت مساره وتاريخ المدينة:

- الدكتور عباس الجراري: يصفه بالعملة الثقافية النادرة والمفكر الموسوعي الذي جمع بين الأدب، النقد، الخطابة، والعمل الوطني، معتبراً إياه عميد الأدب المغربي وأحد مؤسسي النهضة الثقافية الحديثة وثقافة التطوع، مشيراً إلى أنه يقرأ له حالياً كتاباً حول "الشاي".

- الأستاذ عبد الحق المريني: إلى جانب كونه مؤرخاً للمملكة ورجل دولة، يستحضر الجوهري الجانب الإنساني في شخصيته؛ حيث ظل نموذجاً للتواضع والوفاء لقيم المدينة العتيقة بالرباط، يقصد حلاقه القديم منذ الطفولة، ويتسوق بنفسه من باب البويبة، ويقود سيارته دون سائق أو مرافقين، مع دقة عالية في التوثيق.

- الحاج إدريس الجوهري: عمه الذي رباه وكان بمثابة والده، وهو أحد تجار شارع السويقة البارزين والمهتمين بتطوير وتصدير الصناعة التقليدية، كما كان من مناديب الحركة الوطنية الذين جمعوا بين الذكاء العصامي، إتقان اللغة الفرنسية دون تمدرس، والروح الوطنية العالية.

إرسال تعليق